الرحمة المهداة

الرحمة المهداة

الحمد لله الذي جعل محبته مشروطة باتّباع نبيه, والصلاة والسلام على سيدنا محمد ذي السيرة المرضيّة، وعلى آله وصحبه أهل الاتباع والمناقب العليّة، أما بعد،
فهذه تحفة سَنِية، وباقة زكية، يفوح شذاها من عبق الورود المحمدية، والآثار النبوية، أزفّها للسائرين على الدرب، والطالبين للحق هدية.

الرحمة المهداة

سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو (الرحمة المهداة)، والنعمة المسداة، أرسله الله تعالى إلى الناس بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. فبشّر صلى الله عليه وسلم وأنذر، وبلغ البلاغ المبين، وأكمل الله به الدين، وأتم به النعمة، وتركنا صلى الله عليه وسلم على مثل المحجة البيضاء، والطريقة البلجاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. فما من خير يقربنا من الله ومن الجنة إلا ودلنا عليه، وما من شر يقربنا من النار إلا وحذرنا منه، فجزاه الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته.

بشرى لنا معشر الإسلام إنَّ لنا
من العنايـة ركنا غير منهـدمِ
لمـا دعـا داعينـا لطاعتـه
بأكرم الرسل كنا أكرمَ الأممِ

حق الرسول صلى الله عليه وسلم على أمته

من حق الرسول صلى الله عليه وسلم على أمته توقيره وتعزيره، وتعظيمه وتبجيله، واتباع سنته، وسلوك محجته، والصلاة والسلام عليه بالليل والنهار، وطاعته في العلن والإسرار؛ فلا كرامة لهذه الأمة إلا بمحبة محمد صلى الله عليه وسلم واتباع سنته.
ومن حق الرسول صلى الله عليه وسلم على أمته الفرح به وبولادته، وشكر الله تعالى ذي الفضل على امتنانه علينا بإرساله وبعثته، قال تعالى : *(قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)* [سورة يونس: 58]. والنبي صلى الله عليه وسلم من فضل الله تعالى ورحمته، قال تعالى : *(قُلْ إِنَّمَا يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)* [سورة اﻷنبياء: 108].وقال صلى الله عليه وسلم: *( إنما أنا رحمة مهداة)* .

حقيقة الفرح بفضل الله وبرحمته

حقيقة الفرح بفضل الله تعالى وبرحمته هو بابتهاج القلب , وانشراح الصدر , وسرور النفس , وإقبالها على فضل الله ورحمته والعناية بهما علما وعملا , كما هو شأن الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم, وأصحابه الميامين , والأئمة المهديين , فقد كانوا أشد الناس فرحا بفضل الله وبرحمته دون منازعة.

الرسول صلى الله عليه وسلم هو المنَّة الكبرى

بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم هي مِنَّة عظيمة من الله على الناس كافة , وعلى المؤمنين خاصة، قال تعالى : *(لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)* [سورة آل عمران: 164]. وولادته صلى الله عليه وسلم منّة عظيمة أيضاّ لأن ما بعدها ترتّب عليها، ولابدّ للمؤمنين من شكر النعمة، وتقدير المنة، والاعتراف بالفضل لذي الفضل سبحانه وتعالى .

كيف نشكر النعمة

لقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم كيف نشكر الله تعال على نعمته علينا بميلاد محمد صلى الله عليه وسلم , وبعثته إلينا , ففي الحديث عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: ” سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الإثنين فقال: (( ذاك يوم ولدتُ فيه , ويوم بعثتُ أو أنزل عليَّ فيه )) رواه مسلم .
إذاً فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن قط غافلا عن ذلك اليوم , كيف وهو منَّة عليه قبل أن يكون منَّة على غيره , ولما كان ـ بأبي هو وأمي ـ عبدا شكورا علَّمه ربه كيف يشكره على تلك المنَّة , وذلك بصوم ذلك اليوم , ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة , فإذا أردنا أن نشكر الله عز وجل على تلك النعمة فعلينا بصوم يوم الإثنين من كل أسبوع .
غير أن أناسا ثقُلَتْ عليهم الطاعات , واستراحت أنفسهم للملذات , فمالوا عن طريق سيد الكائنات , من الصوم الذي فيه ستر وخمول , إلى مراسيم فيها إعلان وشهرة ووصول , فأظهروا أنفسهم بحجة إظهار الرسول , ردّهم الله إليه ردا جميلا , وأرشدهم إلى هدي الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو أهدى سبيلا .

موقفنا من الاحتفال بالمولد النبوي

عاش الرسول صلى الله عليه وسلم يشكر ربه عز وجل على فضله وامتنانه عليه وعلى أمته بميلاده وبعثته بالصوم , وسلك طريقه الخلفاء الراشدون , ومضى على دربهم الأئمة المهديون , فلم يعرف عن أحد من أهل القرون الثلاثة المفضلة أنه احتفل بالمولد النبوي , ولو كان خيرا لسبقونا إليه , أفيغيب الخير والفعل الحسن عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن والحسين رضي الله عنهم أجمعين ؟ أفيغيب الاحتفال بالمولد النبوي – لو كان خيرا – عن عائشة الرضا وسائر زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم , ورضوان الله عنهن أجمعين ؟ أفيغيب هذا الخير عن أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وسائر الأئمة المتبوعين ؟ والله إن استحباب هذا الاحتفال لهو من أعظم سوء الظن بكل هؤلاء الأخيار الأطهار ! فحكِّم عقلك أيها الطاهر , وعظِّم نبيك بما عظمه به الأكابر , ودع شيئا لم يعمل به أكثر الناس حبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم , ولم يسطروه في الدفاتر .
جعلنا الله وإياك من أهل الاتباع , وصرفنا جميعا عن الإحداث والابتداع , وحشرنا في زمرة الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم .

أبو مجاهد
صالح بن محمد بن عبد الرحمن باكرمان .

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *