قالوا وقلنا

قالوا وقلنا

قالوا وقلنا
مناقشة هادئة لشبهات المجيزين للاحتفال بالمولد النبوي

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف المرسلين, سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد,
فهذه رسالة بعنوان “قالوا.. وقلنا.. : مناقشة هادئة لشبهات المجيزين للاحتفال بالمولد النبوي” قصدنا بها النصيحة لعامة المسلمين ليتركوا المحدثات, ويتعبدوا الله عز وجل بما صح من العبادات, وينهجوا نهج أئمة الهدى فإن الخير كل الخير في التأسي والاتباع, والشر كل الشر في الإحداث والابتداع, وفقنا الله وإياهم لما يحبه ويرضاه إنه جواد كريم.

أصول مهمة بين يدي المناقشة:
1 – ينبغي أن يعلم أن الخلاف في مسألة (الاحتفال بالمولد النبوي) ليس خلافاً على فرع معزول عن أصوله؛ بل هو خلاف على فرع يراد من خلاله تثبيت الأصول والمحافظة عليها, وأصل الأصول عند المسلمين هو (الشهادتان) ومقتضاها هو: (التوحيد لله عز وجل) و(الاتباع للرسول صلى الله عليه وسلم) وثمة منهج في الساحة يستهدف التوحيد بنشر الخرافة، ويستهدف الاتباع بنشر البدع، ويستغل الدين لبناء الأمجاد الخاصة، والاحتفال بالمولد وسيلة من وسائل هذا المنهج المنحرف، وبهذا تتبين أهمية رد هذه البدعة، وكشف شبهات المجيزين لها.
2 – محبة الرسول صلى الله عليه وسلم أصل عظيم من أصول ديننا الحنيف, وهي في قلب كل مسلم, والنزاع إنما هو في دليل المحبة, ونحن نعتقد أن دليل صدق المحبة هو (الاتباع) لا (الابتداع) كما أخبر الله عز وجل بذلك في قوله: ((قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) [آل عمران:31].
3 – محمد صلى الله عليه وسلم هو (الرحمة المهداة) , والنعمة المسداة، ومن حقه علينا أن نفرح به, وأن نشكر الله تعالى على نعمة مولده وبعثته, ولكن كيف يكون الفرح به؟ وكيف يكون الشكر؟ وهل هناك من هو أفرح برسول صلى الله عليه وسلم وأشكر لله عز وجل على نعمته من أهل بيته الأطها, وصحابته الأخيار, والأئمة الأبرار؟
4 – لم يرد عن أحد من السلف قط أنه احتفل بالمولد النبوي, مع وجود المقضي للفعل لو كان الاحتفال بالمولد خيرا محضا, و المقتضي للفعل لو كان الاحتفال بالمولد خيرا هو محبة الرسول صلى الله عليه وسلم وتعظيمه والفرح به وإظهار مكانته والشكر والامتنان لله عز وجل على فضله ونعمته, وكل هذه المقتضيات موجودة عند السلف على وجه التمام والكمال, ثم إنه لا مانع لهم من الاحتفال بالمولد لو كان خيرا, ودعوى أن العذر والمانع انشغالهم بالجهاد باطلة؛ لأنهم لم ينشغلوا بالجهاد كل وقتهم, ولم ينشغل جميعهم بالجهاد, ثم إنهم قد وجدوا فراغا كثيرا بعد الفتوح, ومع ذلك كله لم يرد عن أحد منهم قط أنه احتفل بالمولد النبوي, وقل كذلك في التابعين وتابعيهم والأئمة المهديين, وهؤلاء هم القرون المفضلة فمن الناس بعدهم؟
وقد اتفقت كلمة العلماء على ذلك, قال الإمام الفاكهاني رحمه الله في رسالته “المورد في الكلام على عمل المولد” : “لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة ولا نقل عمله عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين المتمسكون بآثار المتقدمين؛ بل هو بدعة أحدثها البطالون، وشهوة نفس اعتنى بها الأكالون”؛ بل حتى المجيزين للاحتفال بالمولد النبوي لم يخالفوا في كونه بدعة محدثة, ولكنهم يزعمون أنه بدعة حسنة.
5 – كل بدعة ومحدثة في الدين الذي هو بمعنى العبادة التي يتقرب بذاتها إلى الله تعالى فهي باطلة لقول الله تعالى: ((أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله)) [ الشورى:21], فأنكر الله عز وجل أن يقبل دين من غيره, قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى: “يقول تعالى ذكره أم لهؤلاء المشركين بالله شركاء في شركهم وضلالتهم شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله يقول ابتدعوا لهم من الدين ما لم يبح الله لهم ابتداعه” (تفسير الطبري: 25/21). وقد دلت الآية على أن الأصل في العبادات المنع حتى يرد الدليل.
وكل بدعة في الدين ضلالة لقوله صلى الله عليه وسلم: (كل بدعة ضلالة) رواه مسلم. وكل: عام مخصوص أو عام يراد به الخصوص بدليل قوله صلى الله عليه وسلم:(من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) ومراده بـ (أمرنا هذا) الدين والعبادة المحضة وما هو قربة في ذاته، فخرج من العموم الأمور الدنيوية وما هو وسيلة لإقامة شيء من الدين, ويؤكد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (أنتم أعلم بأمر دنياكم) رواه مسلم. فالبدع الدنيوية تنقسم إلى محمودة ومذمومة، وفيها الوسائل التي يستعان بها على أمور الدين فتكون بدعاً حسنة, وأما الدين والعبادات المحضة فلا تكون البدعة فيه إلا ضلالة كما أخبر الصادق المصدوق – بأبي هو وأمي- والضلالة فيه على مراتب.
6 – أول من أحدث بدعة الاحتفال بالمولد النبوي هم (الفاطميون) الضلاّل, وقد صرح بذلك الإمام المقريزي في خططه, ونقله عن المؤرخين قبله, وصرح به كثيرون غيره. أما المظفر كوكبري فليس بأول من احتفل بالمولد النبوي وإنما نقله عن الصوفي عمر بن محمد الملا بالموصل كما صرح بذلك أبو شامة في (الباعث), فهذه بدعة, وهذا هو أصلها ومنشأها, فاعرف ذلك تعرف حقيقتها.

قالوا.. وقلنا ..
– قالوا: نحن نحتفل بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم لنظهر الفرح بفضل الله تعالى وبرحمته لقوله تعالى: ((قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)) [يونس:58] والرسول صلى الله عليه وسلم من رحمة الله عز وجل.
– قلنا: نزلت الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأها هو وأصحابه والسلف الكرام فلم يفهموا منها ما فهمتم، مع أنهم كانوا أشد فرحاً برسول الله صلى الله عليه وسلم منا ومنكم، وكل فهم لآية أو حديث لم يرد عن السلف الصالح فهو باطل.
– قالوا: ليس كل ما لم يفعله السلف باطل، ولعل السلف انشغلوا عنه بالجهاد.
– قلنا: ما كان من العبادات والقرب فإن الأصل فيه المنع, وما كان مقتضاه وموجبه موجوداً في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أو السلف ولم يمنع منه مانع فإن تركه مقصود وفعله من البدعة، ومقتضى الاحتفال بالمولد النبوي موجود وهو الفرح بالرسول صلى الله عليه وسلم، ولا مانع منه, فلما تركوه مع ذلك دل على أنه بدعة, ودعوى أن السلف الصالح انشغلوا عن ذلك بالجهاد مردودة؛ لأن جلهم لم يكن في الثغور كالخلفاء الراشدين والحسن والحسين وابن مسعود ومعاذ وابن عمر وابن عباس وأنس وسعيد بن المسيب والحسن البصري والثوري والأئمة الأربعة رضوان الله عليهم أجمعين، فمن الناس بعد هؤلاء؟ وقد بينا هذا في الأصول التي بين يدي المناقشة.
– قالوا: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الاثنين فقال: (ذلك يوم ولدت فيه ويوم بعثت أو أنزل علي فيه) رواه مسلم . فنبه صلى الله عليه وسلم على يوم مولده وأنه يستحق الشكر.
– قلنا: صدقتم, وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام لم يكونوا غافلين عن يوم مولده, ومع ذلك لم يحتفلوا به, وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم كيف نشكر الله تعالى على نعمته علينا بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم وبعثته وذلك بصوم يوم الإثنين ولم يأبه بشهر ربيع فلا نزيد على ما سنّه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان الاحتفال من الخير لدلنا عليه بأبي هو وأمي.
– قالوا: صام النبي صلى الله عليه وسلم يوم عاشورا شكراً لله عز وجل؛ لأن الله عز وجل نجى فيه موسى عليه السلام ومن معه من فرعون، فدل على أن الأيام العظيمة تخص بمزيد عبادة وشكر كما استنبط ذلك ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى.
– قلنا: فعلام لم تفهم هذا الفهم أمة خلت قبل ابن حجر رحمه الله؟ ثم إنكم لا تستقرون على هذا الأصل فهل تقولون بجواز الاحتفال بيوم بدر ويوم الخندق ويوم الحديبية ويوم فتح مكة ويوم تبوك ويوم القادسية ويوم اليرموك ويوم حطين ويوم …ويوم …, وعلام لم يفهم السلف ذلك ولا عملوا به؟ ورحم الله السيد محمد رشيد رضا حيث قال في رده على فتوى الإمام ابن حجر رحمه الله تعالى: “إن تصريحه في تلك الفتوى بأن أصل عمل المولد بدعة لم ينقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة يكفي فقد قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله: “لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها” ” وانظر كلامه بطوله في (فتاواه: 5/ 2112).
– قالوا: النصارى يحتفلون بميلاد عيسى عليه السلام , فمحمد صلى الله عليه وسلم أولى بأن يحتفل بميلاد ه.
– قلنا: وهل أخذ النصارى هذا عن الدين الحق؟ ومنذ متى كان النصارى قدوة حسنة؟ ولكن صدق فيكم قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه) . قلنا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: (فمن ؟) متفق عليه.
– قالوا: قد أجاز الاحتفال بالمولد علماء أجلة كابن شامة وابن ناصر الدين وابن حجر العسقلاني والسيوطي والقسطلاني وغيرهم رحمهم الله تعالى.
– قلنا: هؤلاء العلماء الذين أجازوا الاحتفال بالمولد اعترفوا بأنه بدعة وحسبنا ذلك منهم, وأما دعواهم أنه بدعة حسنة فمردود عليهم, فليس في الدين وفيما شرع وجوباً أو استحباباً بدعة حسنة, وقد أنكر الاحتفال بالمولد النبوي جماعة من العلماء عارضوا هؤلاء كابن الحاج المالكي في (المدخل) والعدوي في (حاشيته على شرح مختصر خليل) والفاكهاني في (المورد) وابن تيمية في (اقتضاء الصراط المستقيم) وغيرهم رحمهم الله تعالى, فبقيت الحجة مع المانع لاسيما وأن السلف الصالح أجمعين من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم لم يستحب أحد منهم الاحتفال بالمولد النبوي ولم يذكروه وحسبنا من الدين ما كانوا عليه.
– قالوا: قد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى إلى أن فاعل المولد قد يؤجر عليه. ثم قال: ” مع قيام المقتضي وعدم المانع منه “.
– قلنا: هذا من التلبيس على عوام المسلمين وتضليلهم بإيهامهم أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يجيز الاحتفال بالمولد, وهذا دليل الإفلاس, فقد حكم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في (اقتضاء الصراط المستقيم: 2/123) ببدعية المولد فقال: ” وكذلك ما يحدثه بعض الناس إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام, وإما محبة للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيماً, والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاحتفال والاجتهاد لا على البدع من اتخاذ مولد النبي صلى الله عليه وسلم عيداً، مع اختلاف الناس في مولده, فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي وعدم المانع منه لو كان خيراً, ولو كان خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منا فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيماً له منا، وهم على الخير أحرص “فمعنى قوله في السياق” وعدم المانع منه لو كان خيرا” عدم وجود مانع يمنع السلف منه لو كان خيرا وهم أحرص الناس على الخير, لكنهم لم يفعلوه ؛لأنه لا خير فيه.
فتأمل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تاماً, وتأمل ما فعله المبتدعة في كلامه من البتر والتجزئة مما يدل على هوى في النفوس وتضليل لعوام المسلمين وإصرار على هذه البدع لما لها من مرود معنوي وحسي عليهم. وغاية ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله – بعد حكمه على بدعة الاحتفال بالمولد وتأكيده على أنه لو كان خيراً لسبقنا إليه السلف – أنه قد يؤجر بعض الناس على محبته للنبي صلى الله عليه وسلم لا على البدعة, وهو يعني العوام الذين يزين لهم هؤلاء البدع فيفعلونها محبة للنبي صلى الله عليه وسلم فقد – للتقليل والشك – يؤجر هؤلاء من جهة المحبة لا من جهة البدعة.
– قالوا: ورد في الأثر عن عروة ابن الزبير رحمه الله تعالى أن أبا لهب انتفع في النار بعتقه لثويبة لما بشرته بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم فإذا انتفع بالفرح بميلاد النبي صلى الله عليه وسلم كافر ، فالمسلم من باب الأولى.
– قلنا: هذا الأثر مرسل ضعيف, ثم إنه مجرد رؤيا منامية. وهو مخالف لنص القرآن القاطع وهو قوله تعالى: ((وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا)) {الفرقان:23}. وقد أورد ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى في(الإصابة) في ترجمة ثويبة (نقلاً عن ابن سعد) أن أبا لهب أبى أن يعتق ثويبة, ولم يعتقها إلا بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وهذا يبطل ما قلتم من أصله.
– قالوا: أورد الإمام الذهبي وابن كثير رحمهما الله تعالى في تواريخهم ماحكاه المؤرخون عن صاحب إربل السلطان مظفر الدين أبي سعيد كوكبري من احتفاله بالمولد النبوي وتوسعه في ذلك ، فمدحاه ولم يذماه.
– قلنا: هذا لا يدل على تجويزهما للاحتفال بالمولد النبوي، ولو كان كل من حكى من المؤرخين شيئاً عُدَّ مقراً له ومجوزاً له، لوقع المؤرخون في الكفر والفسق والبدع وكل شر، لاسيما وأنهم لا يكفون عن مدح كل أحد بما فيه من خصال حميدة, ولا يدل ذلك على إقرارهم لكل أفعاله، وإنما نقلا ما نقلا من شأن كوكبري عن سبط ابن الجوزي وكان مما نقلاه قوله: “… ويعمل للصوفية سماعاً من الظهر إلى الفجر ويرقص بنفسه معهم” (البداية والنهاية: 13/137) فهل يعتقد هؤلاء المضلون أن الذهبي و ابن كثير رحمهما الله تعالى كانا يجيزان سماع الصوفية ورقصهم – أيضاً – لأنهما نقلاه في تاريخيهما؟
– قالوا: قد أشاد الله في القرآن بميلاد عيسى ويحيي عليهما السلام وأشاد النبي صلى الله عليه وسلم بيوم ميلاده في الحديث، فكل ما عظمه الله ورسوله فنحن مأمورون بتعظيمه.
– قلنا: لا يلزم من الذكر والإشادة تجويز الاحتفال واتخاذ اليوم عيداً وحسبنا ما ورد به الشرع ويدل على ذلك أنه لا يجوز الاحتفال بميلاد عيسى عليه السلام, ولا يمكن لمسلم صادق عاقل أن يدعي أنه أكثر تعظيماً للنبي صلى الله عليه وسلم وأفهم للدين من أهل القرون الثلاثة المفضلة.
– قالوا: يجوز أن نحتفل بالمولد النبوي كما يجوز أن نعمل حفلاً لمسابقة في القرآن ونحو ذلك, وإنما المولد ذكر لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
– قلنا: أنتم تتخذون الاحتفال بالمولد النبوي عيداً يعاد كلما عاد يوم الميلاد, وهذه بدعة حيث خصصتم واخترتم بقصد ليوم بعينه لذاته وهذا تفضيل واختيار وهذا من خصائص الله عز وجل قال تعالى: ((وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)) {القصص:68}. وأنتم تجعلون هذا الاحتفال قربة بذاته؛ لذلك فإن بعض الناس من شدة اعتقادهم في المولد يتهاون في حضور صلاة الجماعة ولا يتهاون في حضور المولد وقد قال الله تعالى: ((أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) {الشُّورى:21}. والدليل القاطع أنكم تجعلونه ديناً وقربةً بذاتها أنكم تتكفلون له الأدلة من الكتاب والسنة لتثبتوا أنه مشروع بذاته, وهذا فرق مابين احتفالكم واحتفال من سواكم ممن يجعلون الاحتفال وسيلة وليست قربة بذاتها.
وهذا كله لو سلم الاحتفال بالمولد النبوي من المنكرات والضلالات الأخرى فكيف وأنتم تعتقدون أن النبي صلى الله عليه وسلم يحضر عند كل مولد في الدنيا, وهذا غاية الجهل وسوء الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم وأما نحن فنعتقد أنه صلى الله عليه وسلم لا يغادر نعيم الجنة طرفة عين بأبي هو وأمي. والأدهى والأمر هو التشبيب بالنبي صلى الله عليه وسلم في بعض الموالد وذكر محاسنه كأنه امرأة حسناء وكما يشبب بالنساء المعشوقات فيذكرون مبسمه وخدوده الوردية وغير ذلك مما لا يرضي أن يوصف به نصف رجل ، فكيف تسمح لهؤلاء نفوسهم أن يقولوا ذلك في الطهر والجولة الكاملة (محمد العظمة والبطولة) صلوات ربي وسلامه عليه, فبئس الحب هذا الحب الزائف الذي استبدل هوى النفس بالعمل والاتباع، سلمنا الله وكل مسلم من الهوى والزيغ.
وختاماً حسبنا ما عليه أهل القرون الثلاثة المفضلة، ومن الأمة سواهم, وإنها لمصيبة أن يحتفل أناس في يوم مماته صلى الله عليه وسلم فقد مات محمد صلى الله عليه وسلم باتفاق العلماء في يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول, وأهل السنة يتبعون ولا يبتدعون, ولا يحتفلون ولا ينوحون, وصلوات الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أبو مجاهد صالح بن محمد بن عبد الرحمن باكرمان.

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *